ابن قيم الجوزية

122

البدائع في علوم القرآن

انتظمت مصالح العبادة في المعاش والمعاد ، وبها يتميز الحق من الباطل ، والصحيح من الفاسد ، وبها جمعت أشتات العلوم ، وبها أمكن تنقلها في الأذهان ، وكم جلب بها من نعمة ، ودفع بها من نقمة ؟ وأقيلت بها من عثرة ، وأقيمت بها من حرمة ، وهدي بها من ضلالة ، وأقيم بها من حق ، وهدم بها من باطل ؟ فآياته سبحانه في تعليم البيان كآياته في خلق الإنسان . ولولا عجائب صنع اللّه ، ما ثبتت تلك الفضائل في لحم ولا عصب . فسبحان من هذا صنعه في هواء يخرج من قصبة الرئة ، فينضم في الحلقوم ، ويفرش في أقصى الحلق ، ووسطه ، وآخره ، وأعلاه ، وأسفله ، وعلى وسط اللسان وأطرافه وبين الثنايا ، وفي الشفتين ، والخيشوم . فيسمع له عند كل مقطع من تلك المقاطع صوت غير صوت المقطع المجاور له ، فإذا هو حرف ، فألهم - سبحانه - الإنسان بضم بعضها إلى بعض فإذا هي كلمات قائمة بأنفسها ، ثم ألهمهم تأليف تلك الكلمات بعضها إلى بعض ، فإذا هي كلام دال على أنواع المعاني ، أمرا ونهيا ، وخبرا ، واستخبارا ونفيا ، وإثباتا ، وإقرارا ، وإنكارا ، وتصديقا ، وتكذيبا ، وإيجابا ، واستحبابا ، وسؤالا ، وجوارا ، إلى غير ذلك من أنواع الخطاب ، نظمه ونثره ، ووجيزه ، ومطوله ، على اختلاف لغات الخلائق « 1 » . كل ذلك صنعته تبارك وتعالى ، في هواء مجرد خارج من باطن الإنسان إلى ظاهره ، في مجار قد هيئت ، وأعدت لتقطيعه وتفصيله ، ثم تأليفه وتوصيله ، فتبارك اللّه رب العالمين ، وأحسن الخالقين ، فهذا شأن الحرف المخلوق . وأما الحرف الذي به تكون المخلوقات فشأنه أعلى ، وأجل . وإذا كان هذا شأن الحروف فحقيق أن تفتتح بها السور ، كما افتتحت بالأقسام لما فيها من آيات الربوبية وأدلة الوحدانية ، فهي دالة على كمال قدرته سبحانه ، وكمال علمه ، وكمال حكمته ، وكمال رحمته ، وعنايته بخلقه ، ولطفه وإحسانه . وإذا أعطيت الاستدلال بها حقه استدللت بها على المبدأ والمعاد ، والخلق والأمر ، والتوحيد والرسالة ، فهي من أظهر أدلة شهادة أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن القرآن كلام اللّه ، تكلم به حقا وأنزله على رسوله وحيا ، وبلغه كما أوحي إليه صدقا ، ولا تهمل الفكرة في كل سورة افتتحت بهذه الحروف ، واشتمالها على آيات هذه المطالب وتقريرها ، وباللّه التوفيق « 2 » .

--> ( 1 ) أصبح البحث في هذا الأمر علما مستقلا من علوم اللغة تبحث في علم الأصوات الذي بدوره يبحث في الصوت الإنساني ومخارجه وبيان الصامت والمتحرك وأصوات العلة والبر والتقييم إلخ . . . ومن أشهر علمائه في عصرنا الدكتور رمضان عبد التواب رحمه اللّه تعالى ، انظر له « المدخل إلى علم اللغة » . ( 2 ) التبيان ( 203 - 206 ) .